الشريف الجرجاني

5

الحاشية على الكشاف

النفسي عند القائل به إنما هو بالشرع ، وأما ثانيا فلأن اتصاف القرآن بما ذكر من التأليف والتنظيم والتنجيم مثلا أمر ظاهر مكشوف ليس مما يستفاد من دلالة الشرع عليه . واعلم أن للمعتزلة على حدوث القرآن دليلا عقليا هو تركبه من أجزاء يمتنع اجتماعها في الوجود كما سيأتيك تقريره ، ودليلا سمعيا كقوله تعالى - ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث - فالأولى استدلال على حدوثه بما علم اتصافه به عقلا ، والثاني استدلال بما ورد في الشرع ودل على حدوثه لا على اتصافه بما يوجب حدوثه كما توهمه هذا القائل . فإن قيل : إذا كان القرآن عندهم حادثا لم يكن قائما بالله لتعاليه عن قيام الحوادث بذاته فلا يكون كلاما له . قلنا : إنهم يجوزون قيام كلام الله بغيره ويقولون هو متكلم ، بمعنى أنه موجد للكلام لا أنه محل له . ويرد عليه أن المتكلم على قاعدة اللغة في المشتقات كالمتحرك والأسود من قام به الكلام لا من أوجده ، ومن ههنا ينتظم برهان على إثبات الكلام النفسي . والكلام في اللغة اسم جنس يقع على القليل والكثير . وعرفه بعض الأصوليين بأنه المنتظم من الحروف المسموعة المتميزة ، وقد يزاد قيدان آخران فيقال : المتواضع عليها إذا صدرت عن واجد قادر ، ويطلق في عرف النحاة على ما يفيد فائدة تامة ، والمراد ههنا المعنى الأول الذي باعتباره يوصف صاحبه بأنه متكلم ويقابل الأعجم والأخرس و ( كلاما مؤلفا ) إما حال موطئة كما صرح به الزمخشري في قوله - إنا أنزلناه قرآنا عربيا - وإما حال مؤكدة تقرر ما تضمنه القرآن خصوصا على زعمه ، ولابد في مجئ المؤكدة بعد الجملة الفعلية كقوله تعالى - قائما بالقسط - على ما صرح به أيضا ، وأما النصب على البدلية أو على المدح ففيه فوات الملاءمة مع ما يناظره في القرينة الأخرى ، أعني منجما فإنه حال قطعا . والتأليف جمع أشياء متناسبة كما يرشد إليه اشتقاقه من الألفة ، والمراد به مطلق التركيب من المفردات والجمل . والتنظيم فوق التأليف لأنه من نظم اللؤلؤ ونحوه ، فيراعى فيها مع المناسبة الجنسية وضع أنيق وترتيب بهيج ، والمراد جودة التركيب وحسنه برعاية مقتضى الحال والتطبيق على الأعراض ، فهو من باب عالم نحرير ، والأشبه أن يراد بالتأليف فيما بين المفردات لتحصيل جملة مفيدة والتنظيم فيما بين الجمل ، إذ قد يحتاج ههنا إلى مزيد تأنق فيكون من قبيل التأسيس بخلاف الأول ، ويتضمن أيضا مشابهة ظاهرة بين آحاد الجمل المتناسبة التي يستقل كل منها بفائدة معتد بها وبين فرائد اللآلئ المتناسقة ( قوله بحسب المصالح ) أي بقدرها وعددها ، يقال ليكن عملك بحسب ذلك : أي على قدره وعدده ، والسين فيه مفتوحة وربما سكنت في ضرورة الشعر ، والظرف أعني " بحسب " متعلق بقوله منجما أي موزعا مفرقا بعدد المصالح ، والنجم في الأصل الكوكب ، ثم نقل إلى الوقت المضروب المعين إذ يتعرفون الأوقات بالنجوم ، فقيل نجوم الكتابة للأوقات المعينة لأداء حصصها ، ثم استعمل في تلك الحصص المؤداة في تلك الأوقات ، ثم اشتق العفل فقيل نجم الكتابة أو الدية : أي وزعها حصصها وأداها دفعات ( قوله وجعله بالتحميد ) أي جعله مفتتحا بالسورة المشتملة على التحميد ، ولذلك سميت السورة فاتحة الكتاب ، وجعله ( مختتما ) بالسورة المشتملة على الاستعاذة فكانت خاتمة الكتاب قياسا على فاتحته ، ولم يرد أن لفظ التحميد أول جزء منه ليدل على أن التسمية ليست جزءا من سورة الحمد ، ولا أن لفظ الاستعاذة آخر جزء منه ليحتاج في توجيهه إلى أن ما بعد الاستعاذة إلى آخر السورة متعلق بها فهو من تتمتها ، وفى نسبة الجعل إلى الله سبحانه إشارة إلى أن ترتيب القرآن في المصحف على هذا الوجه